أحمد بن يحيى العمري
345
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
لا سبب له « 1 » ، وكان يقول عن شيخه : اصحبوني ولا أمنعكم أن تصحبوا غيري ، فإن وجدتم منهلا أعذب من هذا المنهل فردوا . وكان مكرّما للفقهاء ، ولأهل العلم وطلبته إذا جاؤوه ، وكان أزهد الناس في ولاة الأمور ، وكان لا يثني على مريد ، ولا يرفع له علما بين إخوانه خشية عليه أن يحسد . وكان كثير الرجاء لعباد الله ، والغالب عليه شهود وسع الرحمة . وكان - رضي الله عنه - يكرم الناس على نحو رتبهم عند الله « 2 » . وقال - وقد سئل لما أن قال عيسى عليه السلام إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ « 3 » ، ولم يقل : الغفور الرحيم ؟ - . قال : لأنه لو قال : فإنك أنت الغفور الرحيم ، لكان شفاعة من عيسى - عليه السلام - لهم في المغفرة ، ولا شفاعة في كافر ، ولأنه عبد من دون الله فاستحى من الشفاعة عنده . وكان يقول : أتباع الحق قليلون ، فأولياء الله تعالى كهف الإيواء ، فقلّ من يعرفهم . وقال ابن عطاء - تلميذه - : سمعته يقول : " معرفة الولي أصعب من معرفة الله تعالى ، فإن الله تعالى معروف بكماله " . ومن زهده : أنه خرج من الدنيا وما وضع حجرا على حجر ، ولا اتخذ بستانا ، ولا استفتح سببا من أسباب الدنيا . وقال الشيخ أبو الحسن : رأيت الصّدّيق في المنام ؛ فقال لي : أتدري ما علامة خروج حب الدنيا من القلوب ؟ . قلت : لا أدري . قال : علامة خروج حب الدنيا من القلوب : بذلها عند الوجود ، ووجود الراحة منها عند الفقد .
--> ( 1 ) أي لا يكون له مكسب أو عمل يعمله كأن يكون بطّالا عالة على غيره . ( 2 ) ميزانه في هذا قوله تعالى : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ وهكذا شأن العارفين رضي الله عنهم ، ونفعنا بمحبتهم . ( 3 ) سورة المائدة - الآية 118 .